محمد هادي معرفة

29

التأويل في مختلف المذاهب وآلاراء

من هم الراسخون في العلم ؟ الراسخون في العلم هم من لمسوا من المتشابه وجه التشابه فيه أوّلا ، ثمّ تمكّنوا من الوصول إلى وجه تخريجه الصحيح في نهاية المطاف ثانيا ؛ لأنّ فهم السؤال نصف الجواب كما قيل ؛ إذ الراسخون في العلم هم من عرفوا من قواعد الدين أسسها المكينة ، ودرسوا من واقع الشريعة مبانيها القويمة ، ومن ثمّ إذا ما جوبهوا بما يخالفها في ظاهر التعبير ، علموا أنّ له تأويلا مقبولا يجب التوصّل إليه في ضوء تلكم المعارف والمباني الأوّليّة ، ومن جدّ في طلب شيء - وكان من أهله - تحصّله لا محالة . أمّا الجاهل البسيط فلا يعرف من الدين شيئا سوى ظواهره ، فيقتنع بها من غير أن يميّز بين محكمه ومتشابهه . نعم ، أهل الزيغ والانحراف يتردّدون أمام المتشابهات ، فربّما أخذهم العمى واللجاج إلى حيث مهوى الضلال والانجراف . والخلاصة : كان العلماء الصادقون - بما أنّهم عارفون بأصول الشريعة ، ويعرفون من الدين موازينه ومبانيه - إذا ما عرضت لهم مشاكل ، أو واجهوا المتشابكات الأمور استطاعوا الخروج منها بسلام ، وعرفوا وجه استنباط الحقائق بيقين . وقفة عند خطبة الأشباح : جاء في خطبة للإمام أمير المؤمنين عليه السّلام ما يبدو منه اختصاص معرفة التأويل باللّه سبحانه دون غيره ، وأنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله . جاء فيها : « واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السّدد المضروبة دون الغيوب ، والإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب ، فمدح اللّه تعالى اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما ، وسمّى تركهم التعمّق فيما لم يكلّفهم البحث عن كنهه رسوخا ، فاقتصر على ذلك ، ولا تقدّر عظمة